محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
135
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال في لطائف المنن : « الاضطرار تعطيه حقيقة العبد ، إذ هو ممكن ، وكل ممكن مضطر إلى ممد يمدّه ومدد يمده ، وكما أن الحق سبحانه هو الغنى أبدا فالعبد مضطر إليه أبدا ، ولا يزايل العبد هذا الاضطرار لا في الدنيا ولا في الآخرة . ولو دخل في الجنّة فهو محتاج إلى اللّه تعالى فيها ، غير أنه غمس اضطراره في المنّة التي أفّرغت عليه ملابسها ، وهذا هو حكم الحقائق ، إذ لا يختلف حكمها لا في الغيب ، ولا في الشهادة ، ولا في الدنيا ، ولا في الآخرة ؛ فالعلم صفته الكشف ، أيّ علم كان ، في أيّ وقت كان ، والإرادة صفتها التخصيص ، أيّ إرادة كانت ، في أي وقت كانت . ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره وقد عاتب اللّه أقواما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار ، فلما زالت زال اضطرارهم ، قال سبحانه : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ . . [ الإسراء : 67 ] الآية ، وقال : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . . [ الأنعام : 63 ] الآيتين . إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى . ولمّا لم تصل عقول العوام إلى ما تعطيه حقائق وجوداتهم سلّط الحق عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار ليعرفوا قهر ربوبيته وعظمة إلهيته » . خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك ، وترد فيه إلى وجود ذلتك . إنما كان ذلك خير الأوقات لوجود حضورك فيها مع ربّك ، وانقطاع نظرك عن الوسائط والأسباب الموجبة لبعدك وحجبك ؛ فهي لا محالة خير أوقاتك ، وهي مواسمك وأعيادك حسبما يقوله المؤلف ، رحمه اللّه ، بعد ذلك . حكي عن عطاء السلمي ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه بقي سبعة أيام لم يذق شيئا من الطعام ولم يقدر على شيء فسرّ قلبه بذلك غاية السرور ، فقال : « يا ربّ إن لم تطعمني ثلاثة أيام أخر لأصلّينّ لك ألف ركعة » . وقيل : « إن فتحا الموصلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجا ولا حطبا ، فأخذ يحمد اللّه تعالى ويتضرّع إليه ويقول : « إلهي لأيّ سبب وبأيّ وسيلة واستحقاق عاملتني بما عاملت به أولياءك » . وقال بشر الحافي رضي اللّه تعالى عنه : « بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت ، فقيل له : ألا تطلب من يكسوها ؟ فقال : لا أكسوها حتى يرى اللّه عريها وصبري عليها ، قال : وإذا كان ليالي الشتاء جمع عياله ومال بكسائه عليهم ثم قال : اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي ، وجوّعتني وجوّعت عيالي ، وأعريتني وأعريت عيالي ، بأيّ وسيلة توسلت إليك وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك ، فهل أنا منهم حتى أفرح ؟ » .